القرطبي

273

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين " ( 1 ) [ القصص : 56 ] . فالآية على هذا ناسخة لاستغفار النبي صلى الله عليه سلم لعمه فإنه استغفر له بعد موته على ما روي في غير الصحيح . وقال الحسين بن الفضل : وهذا بعيد لان السورة من آخر ما نزل من القرآن ومات أبو طالب في عنفوان الاسلام والنبي صلى الله عليه وسلم بمكة . الثانية - هذه الآية تضمنت قطع موالاة الكفار حيهم وميتهم فإن الله لم يجعل للمؤمنين أن يستغفروا للمشركين فطلب الغفران للمشرك مما لا يجوز . فإن قيل : فقد صح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم أحد حين كسروا رباعيته وشجوا وجهه : ( اللهم أغفر لقومي فإنهم لا يعلمون ) فكيف يجتمع هذا مع منع الله تعالى رسوله والمؤمنين من طلب المغفرة للمشركين . قيل له : إن ذلك القول من النبي صلى الله عليه وسلم إنما كان على سبيل الحكاية عمن تقدمه من الأنبياء والدليل عليه ما رواه مسلم عن عبد الله قال : كأني أنظر إلى النبي صلى الله عليه وسلم يحكي نبيا من الأنبياء ضربه قومه وهو يمسح الدم عن وجهه ويقول : ( رب اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون ) . وفي البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر نبيا قبله شجه قومه فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يخبر عنه بأنه قال : ( اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون ) . قلت : وهذا صريح في الحكاية عمن قبله ، لا أنه قاله ابتداء عن نفسه كما ظنه بعضهم . والله أعلم . والنبي الذي حكاه هو نوح عليه السلام ، على ما يأتي بيانه في سورة [ هود ] ( 2 ) إن شاء الله . وقيل : إن المراد بالاستغفار في الآية الصلاة . قال بعضهم : ما كنت لأدع الصلاة على أحد من أهل القبلة ولو كانت حبشية حبلى من الزني لأني لم أسمع الله حجب الصلاة إلا عن المشركين بقوله : " ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين " الآية . قال عطاء بن أبي رباح : الآية في النهي عن الصلاة على المشركين والاستغفار هنا يراد به الصلاة . جواب ثالث : وهو أن الاستغفار للاحياء جائز لأنه مرجو إيمانهم ويمكن

--> ( 1 ) راجع ج 13 ص . ( 2 ) راجع ج 9 ص 43 .